ابن قيم الجوزية
253
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال أن النار لا تفنى أبدا لم يجد إلى ذلك سبيلا ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا ، قالوا والإجماع المعتد به نوعان متفق عليهما ونوع ثالث مختلف فيه ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة ( النوع الأول ) ما يكون معلوما من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة ( الثاني ) ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه ( الثالث ) أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد فأين معكم واحد من هذه الأنواع ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج بأن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان أسعد بالإجماع منكم ، قالوا ( وأما الطريق الثاني ) وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك نعم الذي دل عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدا وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم لهم وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء ، وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل جنسه بخراب الحبس وانتقاضه ( قالوا وأما الطريق الثالث ) وهو مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار عذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا ( قالوا وأما الطريق الرابع ) وهو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة فأين في القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك ( قالوا وأما الطريق الخامس ) وهو أن في عقائد